القاهرة – أحمد أبو المعاطي
وضع الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي الخميس الماضي، مصر على فوهة بركان، وأشعل ثورة الغضب من جديد في نفوس معظم القوى السياسية والثورية، بعد ما لا يزيد على خمسة أشهر من انتخاب أول رئيس مدني للبلاد، لم تخل فترة حكمه القصيرة من أزمات، لم تتسبب فيها على نحو مباشر، طريقة إدارة الرئيس لشؤون الدولة فحسب، بقدر ما تسببت فيها هيمنة لا تخطئها عين، لمكتب الإرشاد الذي يمثل أعلى سلطة تنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين، على القصر الرئاسي في الاتحادية، وما يصدر عنه من قرارات .
تجلت تلك الحقيقة على نحو لا يقبل شكاً في مصر، على مدار الأسبوع الماضي، عندما تخلى الرئيس، الذي فتح صدره في نهايات يونيو/ حزيران الماضي أمام الآلاف، الذين احتشدوا لتحيته في ميدان التحرير، مؤكداً أنه لا يرتدي قميصاً واقياً من الرصاص، عن صورته التي سعى لتكريسها في مختلف وسائل الإعلام، ليكشف عن وجه آخر، بدا في نظر كثيرين وفي مفارقة مدهشة، أشد قسوة من وجه سابقه الذي أطاحت به ثورة الخامس والعشرين من يناير، إذ جمع مرسي في يديه وبضربة واحدة، ما لم يجرؤ مبارك عليه طوال سنوات حكمه التي قاربت ثلاثين عاماً، عندما انقض على الشرعية، في خطوة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث باسم الثورة، وقوض دولة القانون باسم الشرعية .
أحكم مرسي قبضته على مقاليد الحكم في البلاد، على نحو لم يسبقه إليه أحد من رؤساء مصر على امتداد تاريخها الحديث، بإعلانه الدستوري الجديد الذي حصن من خلاله جميع القرارات والقوانين الصادرة عنه، واعتبارها “نهائية ولا يجوز الطعن عليها”، إلى جانب ما خلعه على نفسه من حقوق إضافية تخول له “اتخاذ أي إجراءات استثنائية من شأنها حماية الثورة”، وهو ما حول هذا الإعلان إلى ما يشبه انقلاباً دستورياً وسياسياً جديداً، يستهدف من خلاله الرئيس المنتخب، إضافة مزيد من الصلاحيات إلى “صلاحياته المطلقة”، تلك التي نجح في انتزاعها في أغسطس/ آب الماضي، من المجلس العسكري الحاكم حينذاك، عندما ألغى الإعلان الدستوري المكمل، وأطاح بوزير الدفاع السابق المشير حسين طنطاوي ورئيس أركانه الفريق سامي عنان، مستغلاً أزمة مقتل 16 جندياً من حرس الحدود في سيناء، وهي الإطاحة التي أخرجت العسكر تماماً من المشهد السياسي، وكانت البوابة الملكية التي جمع من خلالها في يديه بعد نحو شهرين من وصوله إلى القصر الجمهوري، سلطات تنفيذية لا مثيل لها في البلاد، تتضمن السلطة الكاملة على التشريع والميزانية العامة للدولة، فضلاً عن صلاحياته الأخرى الخاصة بالشؤون الخارجية والعفو والتعيينات السياسية والعسكرية .
بدا قرار مرسي الصادر في الثاني عشر من أغسطس الماضي، والخاص بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري، أقرب ما يكون إلى انقلاب ناعم على سلطة العسكر في مصر، وقد فعلها مرسي بامتياز في خطوة لم تفتقد الذكاء والجرأة في آن، عندما حافظ على المشير والفريق في التشكيل الوزاري الجديد في خطوة، بدا معها القائد العام للقوات المسلحة المصرية، وذراعه اليمنى في الجيش الفريق سامي عنان وكأنما باقيان للأبد، قبل أن يفاجأ الجميع بنبأ إقالة الاثنين، ومنحهما قلادة النيل ورفعهما بما يشبه في الأدبيات السياسية “ركلة للأعلى” إلى منصب مستشاري الرئيس للشؤون العسكرية .
حظي قرار مرسي بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل، رغم عدم دستورية مثل هذه الخطوة، بتأييد واسع من قبل مختلف القوى السياسية، التي كانت ترى في استمراره محاولة مكشوفة من العسكر لعرقلة عمل الرئيس الجديد، وإظهاره في صورة مرتعشة، أمام العديد من التحديات التي يتعين عليه مواجهتها فوراً، وفي مقدمتها الملف الاقتصادي المنهار، وما يتضمنه ذلك من ضرورة البدء فوراً في اتخاذ الإجراءات العاجلة اللازمة لإقرار مبدأ العدالة الاجتماعية، فضلاً عن إعادة فتح ملف قضايا الشهداء، وتطهير أجهزة الدولة، لكن الرئيس برغم ما حصل عليه من صلاحيات عقب هذه الخطوة، لم يقدم على مدار ثلاثة أشهر، على اتخاذ خطوة حقيقية باتجاه هذه الملفات العاجلة، وهو الأمر الذي كان سبباً في تفجير مخاوف عدة من أن يكون الهدف الذي سعى إليه مرسي من وراء إقصاء العسكر عن المشهد السياسي، هو انفراد جماعته بالسلطة تماماً في البلاد، وهو ما تجلى لاحقاً في الأداء السياسي لحزب “الحرية والعدالة” الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو أداء لم يخل من “غلظة واضحة” في التعامل مع مختلف القوى المعارضة، و”تجاهل واضح” لتصاعد الموجات الاحتجاجية العمالية والفئوية في الأغلبية العظمى من القطاعات، اعتراضاً على فشل حكومة الدكتور هشام قنديل، في التعاطي مع مطالب ينظر إليها كثير من المحتجين، باعتبارها أحد أهم الحقوق المكتسبة من ثورة الخامس والعشرين من يناير .
لم تهدأ ميادين مصر على مدار الشهرين الماضيين، ولعبت حكومة الدكتور هشام قنديل من جهة، والتنظيم السياسي لجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى، دوراً كبيراً في زيادة حالة الاحتقان في الشارع المصري، وهي الحالة التي بلغت ذروتها في الاشتباكات التي شهدها ميدان التحرير، في جمعة “كشف الحساب” منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بين مؤيدين ومعارضين لأداء الرئيس في المئة يوم الأولى من ولايته، والتي أسفرت عن سقوط عشرات الجرحى، وقد كشفت هذه الاشتباكات على نحو لا يقبل الشك، أن الجماعة لم تعد تطيق مجرد نقد ابنها الرئيس، الذي قال في أول خطاباته: “اطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فقوموني”، قبل أن يبلغ التوتر ذروته بالأزمة الأولى التي تسبب فيها قراره بإقصاء النائب العام من موقعه، وصمود الأخير في مواجهة القرار الرئاسي مدعوماً بآلاف من القضاة، الذين اعتبروا قرار الرئيس بداية لعدوان جديد على مؤسسة القضاء، يستهدف إخضاعها وكسر شوكتها، بل وإدخالها قسراً إلى “حظيرة الجماعة” .
خرج مرسي مهزوماً في معركته الأولى أمام القضاء، ممثلاً في النائب العام السابق المستشار عبد المجيد محمود، عندما تراجع عن قراره بإبعاده إلى الفاتيكان، وقد سعت الجماعة إلى إظهاره في صورة “الديمقراطي الذي لا يجد غضاضة في التراجع عن قرار ثبت خطؤه، أو أساء الآخرون فهمه”، قبل أن يعيد الكرة مرة أخرى الأسبوع الماضي، ويزيد الأمر تعقيداً، بمحاولته إحكام قبضته على السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، بإعلان دستوري يعتبره كثير من رجال القانون الثقات “منعدماً ولا يجوز التعليق عليه”، وهو الإعلان الذي تصرّ مختلف القوى السياسية في مصر على إسقاطه، مهما كلفها الأمر من تضحيات، وتصر الجماعة ومن خلفها معظم تيارات الإسلام السياسي، على استغلاله في تمرير الدستور الجديد بأقصى سرعة، بالترويج لكونه “إعلاناً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الاستفتاء على الدستور، وعودة المؤسسة التشريعية للعمل” .
لا تعبأ جماعة الإخوان المسلمين كثيراً، أو هكذا تبدو، ومن خلفها حلفاؤها من تيار الإسلام السياسي، بتداعيات القرار الرئاسي الأخير، ربما من دون أن تدري أنها بذلك تعجل بنهاية وشيكة لتنظيمها الذي يزيد عمره اليوم على ثمانين عاماً، بعدما تجاوزت التداعيات اعتصام ميدان التحرير، وإعلان القضاة تعليق العمل بالمحاكم، وتهديد الصحافيين باحتجاب الصحف، وانسحاب الكتلة المدنية من الجمعية التأسيسية للدستور، ومطالبة مختلف القوى السياسية والثورية بحلها، إلى حرق عدد من مقار الجماعة في المحافظات، وسقوط جرحى وشهداء، في خطوة أخرجت الثورة المصرية عن سلميتها، وحولت الجدل السياسي إلى مسار آخر، لا يخلو من خطر .
المؤكد أن الرئيس نفسه لم يكن يدرك وهو يوقع على مثل هذا الإعلان، أن الأرض سوف تميد من تحت قدميه إلى الدرجة التي عاد معها شعار الثورة الأولى “الشعب يريد إسقاط النظام”، والمؤكد أيضاً أنه لم يتخيل حتى في أكثر كوابيسه فزعاً، وهو الذي لم يقض من فترة رئاسته الأولى سوى بضعة أشهر تعد على أصابع اليد، أنه وهو “العابد المصلي حافظ القرآن الكريم” وفق ما تروج له دائماً آلة الجماعة الإعلامية الجبارة، أنه سوف يستدعي بقراراته الأخيرة إلى ذاكرة المصريين التي لا تنسى، صورة الفرعون بما يملكه من صلاحيات تجعل منه شخصاً فوق القانون وفوق القضاء، أو حسبما وصفه محلل سياسي كبير: “شبه إله يجلس على عرش شبه جمهوري” .
لقد تجلى ذلك بوضوح شديد، في الصمت المطبق الذي خيم على القصر الرئاسي عقب إطلاق الإعلان الدستوري الجديد، وما صاحب الإعلان من انفجار شعبي، طال العديد من مقرات الجماعة وحزب “الحرية والعدالة” في المحافظات، واكتفاء الرئيس بإلقاء خطاب في سلوك يليق بأمير جماعة أكثر من رجل دولة، إلى آلاف من أعضاء الجماعة “أهله وعشيرته”، هؤلاء الذين احتشدوا أمام قصر الاتحادية في اليوم التالي، لم يخل من مواعظ ودروس مستفادة من هجرة الرسول الكريم، بينما الميادين والنقابات تغلي بالغضب، قبل أن يفاجئ قطاع العمال في اليوم التالي بإقرار تعديلات طالما رفضتها النقابات العمالية على قانونها، ليضيف احتقاناً جديداً إلى الشارع المشتعل بالغضب والحريق، وهو الأمر الذي أكد حسبما يرى كثير من المراقبين، أن كياناً آخر هو الذي يتولى إدارة شؤون البلاد، وأن مرسي لا يعدو سوى واجهة تتلقى فقط موجات الغضب المتواصلة .
لقد كشفت الأزمة الأخيرة التي انفجرت في وجه مرسي، وفجرت معها غضب الشوارع والميادين، بوضوح أن الرئيس المصري الجديد، لا يعدو في نظر كثيرين الآن، وهذا مكمن الخطر، أكثر من مجرد “رجل يجلس في قصر الاتحادية فقط، ويتلقى تعليماته من مكتب الإرشاد في المقطم”، وربما يكفي للدلالة على ذلك، تلك الاستقالات المتتالية لعدد من مستشاريه ومساعديه في قصر الاتحادية، وفي مقدمتهم الدكتور سمير مرقس مساعده لإدارة شؤون التحول الديمقراطي، وقد قال الرجل على نحو صادم: “إن أحداً لم يستشره في أمر الإعلان الدستوري الأخير، وأنه علم به مثل أي مواطن عادي من التلفاز!”، وهو الأمر الذي أكده آخرون، بعضهم قدم استقالته رسمياً، والبعض الآخر فضل الاستمرار، ربما خجلاً من القفز من مركب يوشك على الغرق، وربما بحثاً عن حل لأزمة تتصاعد يوماً بعد آخر، على نحو بات يهدد الدولة المصرية بمخاطر مرعبة .
مصر تهتف مجدداً: نريد إسقاط النظام - الخليج الإماراتية - القاهرة http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif
No comments:
Post a Comment