Monday, December 10, 2012

الرئيس المنتخب بدستور ١٩٧١ الاشتراكي

الرئيس المنتخب بدستور ١٩٧١ الاشتراكي

عبدالله ناصر العتيبي *

الإثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٢

أمْر الديموقراطية ـ كما أفهمها ـ بسيط جداً. على خصوم الرئيس المصري محمد مرسي الانتظار أربع سنوات مقبلة، لتغييره من خلال صناديق الاقتراع. وعلى محبيه ومريديه الكف عن إدخال اسم الإله في اللعبة، والتوقف عن استخدام الحق الإلهي في فرض مرسي وقراراته على الناس، فالناس في النهاية هم من انتخبه وليس الله. الله يراقب ويهدي إلى النجدين ويقدر، والكائن البشري البسيط الذي يصيب ويخطئ هو الذي يقرر الدخول في اللعبة، بناء على متلازمة علمه وجهله.

هل يمكن اختصار الوضع المصري في هذه المقدمة الصغيرة؟

«نعم»، و«لا».

«نعم»، لأن غالبية المقترعين المصريين هي من اختارت محمد مرسي رئيساً لمصر، ومن ثم فإنه لا يمكنني أن أستمع إلى مطالب الناصري حمدين صباحي أو المنشق عن الحزب الإخواني عبدالمنعم أبو الفتوح أو النظامي السابق عمرو موسى، أو الرجل الذي لا يمكن التنبؤ بحجم جماهيريته محمد البرادعي، أو حتى الإعلامي الذي تاب على الهواء عن دعمه مشروع مرسي. لا يمكنني أن أستمع إلى مطالبهم التي تدعو إلى الانقضاض على الديموقراطية وتفريغها من الداخل لمصالحهم الحزبية الضيقة. لا يمكنني أن أستمع إلى مطالبهم التي تظهر الحرص إلى حماية الثورة، وتضمر التخطيط، لإقصاء رئيس منتخب.

لا يحق لمن هو داخل حلبة الصراع الآن التغني بالديموقراطية في الوقت الذي ينزل فيه للشارع، ليهتف مع الهتيفة: «ارحل».. «ارحل»! كيف تقال «ارحل» لرجل جاء على صهوة رغبة الشعب!

إذا كان الهتيف من منتخبي مرسي ولم يعد يعجبه الآن فليصبر سنوات قليلة مقبلة ويختار ممثله الجديد. عليه أن يتحمل خطأ اختياره. عليه إن لم يجد فيه الحلم الذي راقص واقعه غداة الثورة أن يبدأ من الآن في درس مشاريع اختياراته المستقبلية. وعليه أن يحصِّن نفسه جيداً ضد فايروسات الحملات الانتخابية.

أمّا إن كان الهتيف من أولئك الذين قاطعوا الانتخابات أو الذين اختاروا الفريق أحمد شفيق رئيساً، فليشكر القدر الذي كشف باكراً قدرات الرئيس المتواضعة، ومن خلفها الورطة التي وقعت فيها جماعة الإخوان، عندما وجدت نفسها تمارس دور البطل لا الضحية للمرة الأولى منذ ٨٠ عاماً. وعليه إن كان مؤمناً حقيقياً بالديموقراطية أن يحترم اللعبة، ويستعد للجولة الانتخابية المقبلة، ولا سيما أنه سيغنم الكثير من الأصوات التي أصيبت بالفايروس الإخواني وشفيت بعد أشهر قليلة.

وفي المقابل، على من يؤمن بالديموقراطية من «الإخوان» أنفسهم أو من الإخوانيين المتعاطفين والمعجبين والمؤيدين في طول البلاد العربية وعرضها، أن يعرف أن الحكم مسألة إدارة خالصة لا تعترف بالطوائف والمذاهب ونوعيات التدين ومستواها، وإنما ترتكز بشكل مباشر على القدرة والاستعداد والموهبة والتأهيل المناسب. «الإخوان» في الحكم الآن، لأن الشعب اختارهم، وقد يكونون غداً في المعارضة، لأن الشعب لم يخترهم. ولا يعني وجودهم في الحكم أن الله راضٍ عنهم، ولا يعني عدم وجودهم سخط الله على من لا يحبهم! وما يحدث الآن من اندفاع مصري وعربي (ولا سيما من السعوديين الإخوانيين) من ربط للوجود الإخواني بالمشيئة الإلهية يتعارض بشكل كامل مع أبسط مفاهيم الديموقراطية، وأنا هنا أتحدث عن الديموقراطية التي يقول الإخوانيون إنها هي التي جاءت بمرسي للحكم، قبل أن يدخلوا في نشوة «النيرفانا»، ليتحدثوا باسم الله.

و«لا»، لأن الرئيس جاء قبل الدستور، وبالتالي فإن الوضع المشوه الذي جاء به قبل الدستور قد يأخذه أيضاً قبل انتهاء مدة ولايته. بالمناسبة.. هل نعرف مدة ولايته قبل الاتفاق عليها في الدستور الجديد؟ هل هي أربع سنوات؟ أو ست سنوات؟ أو سبع سنوات؟ هل يحق له تولي الرئاسة ولايتين أو ثلاث؟ كل هذا يجب أن يكون في الدستور الذي من المفترض أن يكتب بعد مجيء الرئيس؟ وهنا تكمن المشكلة الكبيرة.

خصوم مرسي استخدموا حجة الدستور، للوقوف من جديد في وجهه، ومؤيدوه نسوا أن مسألة انتخابه تمت عبر صناديق الاقتراع، وصاروا يجابهون الدستوريين، باسم الله وسيفه.

شخصياً، لا أرى أبداً أنه من الطبيعي أن تتم كتابة دستور جديد بالكامل في ظل حكومة جديدة بالكامل، وذات إيديولوجيات تتعارض مع قطاعات كبيرة من الشعب المصري. لا أحد يضمن عدم تدخل الحزب الحاكم في رسم الدستور الجديد. ولا أحد يستطيع الجزم بأن اللجنة التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور في منأى عن تأثيرات قوى الحكومة الجاذبة وقوى المعارضة الشادة. ولو تم حل مشكلة الإعلان الدستوري المكمل، فسنقع في مشكلة مواد الدستور الجديدة. المعارضة – وخلفها جماهير ميدان التحرير (التي أصابها هوس التغيير من خلال الميدان) – تبحث فقط عن مشجب. المشجب الحالي هو الإعلان الدستوري المكمل ووقت الاستفتاء على الدستور. والمشجب المقبل هو مواد الدستور نفسه، وهكذا.

لم يكن أبداً من الحكمة انتخاب الرئيس قبل كتابة الدستور، لكن يبدو أن بعض القوى كانت تستعجل حدوث هذا الأمر، ظناً منها أن مناخات النجاح الموجودة في بداية هذا العام ما كانت لتتكرر لو تم الانتظار حتى الانتهاء من كتابة دستور جديد.

ما كان من الحكمة أن يولد مرسي قبل الدستور الجديد، لكن أما وقد وُلد، فليحتفظ المصريون بدستور ١٩٧١، كي يضمنوا على الأقل عدم توجيه الدولة المصرية لمنعطفات تاريخية قد يصعب الرجوع عنها. وعليهم أن يُدخلوا عليه مستقبلاً آلية تعديل تحترم قدسيته وقوته وتخرجه من عباءته الاشتراكية، مع إمكان الإلغاء في الحال للمادة الـ١٩٤ لاتفاق الجميع (الحكومي والمعارض ما عدا حمدين صباحي) على سقوطها تاريخياً.

كاتب وصحافي سعودي

ano@alhayat.com


الرئيس المنتخب بدستور ١٩٧١ الاشتراكي http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif

No comments:

Post a Comment