Sunday, December 9, 2012

الإخوان وتشابك المقدس مع السياسي - الرياض السعودية - راشد فهد الراشد

راشد فهد الراشد

    مدخل موجع:

نترحم على الشاعر الكبير معين بسيسو، وتنذكره كشاعر حمل مأساة الإنسان وأوجاعه وتفتتاته وتيهه نسغاً في داخله، وعانى في سبيل الهم الإنساني، وانهيارات الإنسان مع التيه والتشرد والغربة، وما يقتات به من أوهام شعارات بعض الأنظمة العربية، وكذبها، ودجلها، ووعودها بالمن والسلوى للشعوب، والمزايدات والابتزازات الرخيصة بالقضية العربية، وتحرير الأرض والإنسان والإرث الحضاري من دنس الصهاينة، وإجرام المغتصبين.

نترحم على معين بسيسو ونستدعي مقطعاً من قصيدة موجعة، صادمة، شرسة، معبرة، مؤلمة حتى الموت:

“.. يا أبا الطيب قم صح النواطير

وقم صح القياثر

دقت الأجراس للصيد

ثعابين المحابر

بَشِمت من لحمنا

هذي الثعالب

صار درع الفارس المقتول

بيتا للثعالب

آه يا سيف المحارب”

لو كان معين بسيسو حياً يمارس الحياة، ويرقب المشهد الملتبس في الحياة السياسية ببعض الدول العربية، ويقرأ الممارسات والسلوكيات والشعارات والتسويغات والتبريرات التي تصم آذان الناس يومياً، وتتصدر نشرات الأخبار في القنوات المرئية، وعناوين الصفحات الأولى من الصحف المكتوبة، أحسب أنه سيجن إن لم يقدم على الانتحار كما فعل المبدع خليل حاوي حين أطل من شرفة منزله في فرن الشباك ببيروت، وشاهد الجنود الإسرائيليين يتضاحكون ويغازلون الصبايا في الشارع، فعاد إلى غرفته وتناول بندقية صيد وفرّغ ما في داخلها برأسه، ودخل الصمت الأبدي.

عهر، وتخبط، ورغبات محمومة للحكم وامتيازاته وألقه ومنتجه من مصالح، وليس – كما يبدو ويسوّق – تحقيق المشاركة والعدالة وإنتاج التنمية الفكرية والتعليمية والصحية والانتاجية للإنسان، والاهتمام بتوطين المعرفة، وانتشال الشعوب من البطالة والجهل والفقر والتخلف، مع التوق والنضال إلى تحقيق المكاسب الإنمائية بكل مضامينها وفروعها لتكون الشعوب في حالة توثب للقمة، وأمكنة صناعة الفعل الحضاري، والتأثير في صياغة حضارة الأمم والشعوب لنكون فاعلين لا مستهلكين، وندخل في حركة التاريخ وإنتاج تحوّلاته ومتغيّراته ومستجدّاته لا متفرجين على تجليّاته.

كان البعض من أصحاب الانتماءات والتوجهات العقدية، يقولون إن ثورات الربيع العربي (نحتاج إلى سنوات طوال لتصنيف المصطلح) خرجت من المساجد، وأنها صناعة المنبر الديني بعد أن مارس مسؤولياته في الشأن السياسي، والدخول بقوة في إصلاح ما أفسده العسكر وتسلّطهم، والأحزاب الشمولية، ولا اعتراض على هذا فالمسجد خرجت منه أفكار مبهرة لتنظيم حركة المجتمع، وتعاملاته مع الشأن العام، ومن أروقة العلم فيه تعرفنا على علماء في الفكر الفقهي والشرعي أناروا في دروب الأمة ضوءاً جميلاً، وقدموا تراثاً معرفياً سامياً في فهمه واستنتاجاته وقراءته وتفكيكه للنصوص واجتهاداته العاقلة والمعقلنة في مسائل حياتية معقدة، وأتاحوا للعقل فضاء من العمل بعيداً عن التلقين وبلادة الفهم وسطحية القراءة.

قبل فترة استنكر كثر في بعض الدول العربية من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبعض الحركات الدينية بيان هيئة كبار العلماء في المملكة الذي حذر من “الارتباطات الفكرية والحزبية المنحرفة”، وتأكيده “أن للإصلاح والنصيحة أسلوبهما الشرعي الذي يجلب المصلحة”، وشدد “على حرمة المظاهرات”، وقامت قيامة بعض الإخوان وهاجموا البيان، والآن نقرأ كثيراً ونشاهد ونسمع عن مشادات كلامية واشتباكات بين الناس، وتحريم قطعي من الإخوان لاستخدام المسجد في الأمور السياسية، والاعتراض على الإعلان الدستوري والمطالبة بإلغائه بحجة “أن المسجد للصلاة فقط”، ولا ينبغي تناول القرار السياسي فيه.

يحق لهم ما يحرمونه على غيرهم، وما يجوز لهم لا يجوز للآخرين، واختلط المقدس بالسياسي.


الإخوان وتشابك المقدس مع السياسي - الرياض السعودية - راشد فهد الراشد http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif

No comments:

Post a Comment