Friday, November 30, 2012

السياسة: فن الكلام أم فن الصمت؟

كثيرون من سيجيبون عن هذا السؤال إجابة الغزالي، ويردّدون أن «في الصمت سلامة وعلما». أكاد أميل بدوري إلى جواب هؤلاء لشدة ما شاهدت هذه الأيام بعض ساستنا يحاولون تبرير ما صدر عنهم من زلات لسان، أو ما ترتب عن تأويل بعض أقوالهم ممّا يبعث على الندم. والحق أن رؤية السياسي وهو «يضغط» على أقواله ليخفّف من حدتها، أو ليحمّلها أبعد المعاني، يجعلك تتمناه أن يخلد إلى الصمت المطلق عوض اللعب بالكلام لتقويله ما نشاء. نظراً لما يضعه ذلك في أشد المواقف حرجاً، بل إنه يضعف منزلته، وينقص من هيبته، ويجعلك تحسّ بالفعل أن «خطر اللسان عظيم»، فتتساءل كيف للّذي يعجز عن «سياسة كلامه» وتدبير أقواله أن يسوس أمور الناس ويدبّر شؤون البلد؟ فالسياسة ينبغي أن تكون قبل كل شيء «سياسة اللسان» وإلا فهي لجمه والكف عن القول.

وعلى رغم ذلك، نعلم أننا لا يمكن أن نطلب من السياسي أن يخلد إلى الصمت، بل إن الاختيار ربما لا يطرح هنا بين طرفين، إما هذا وإما ذاك. إذ أن الصمت العاري من الكلام أقرب إلى العدم. بل إنه إلغاء للذات وإقصاء لها. ومن يخلد إلى صمت مطلق، يقضي على نفسه بالابتعاد لا عن السياسة وحدها، بل عن كل تواصل. فليس من معنى للصمت إذاً إلا حينما يعلق بالكلام. على هذا النحو، فإن حنكة السياسي تمثل في أن يعرف كيف يتلبس صمته الكلام، ويدرك أن إتقان فن الكلام هو، في الوقت ذاته، إتقان لفن الصمت، وأن «آداب الكلام» تعني في ما تعنيه «حفظ اللسان»، بحيث لا يجرّ صاحبه إلى أقوال من شأنها أن تفيض بالمعاني، وأن تُحمَل على غير مقصودها.

الحس السياسي هو الذي يجعل المرء يعرف كيف ومتى يغدو غياب الكلام إضافة شيء من المعنى، وكيف يكون الامتناع عن الرد وعن التعليق أبلغ من كل ردّ، وأبين من كل تعليق. آنئذ يغدو الصمت فعالية وتدخلاً وليس مجرد انفعال ورد فعل، فيصبح امتناعاً عن الكلام وليس مجرد غياب له. هذا الامتناع يكون مولداً لفائض، فيفسح المجال لمزيد من المعنى. هنا تكون للصمت قوة تعبير وبلاغة تفوقان في بعض الأحيان بلاغة الكلام وقوته، ويصبح الصمت جزءاً من الكلام وليس طرفه المقابل، وتغدو السياسة فن الصمت المتكلم، فن اللسان المحفوظ .

* كاتب مغربي


السياسة: فن الكلام أم فن الصمت؟ http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif

No comments:

Post a Comment