مهم التذكير بان إسرائيل بدأت حربها على غزه مستهدفة أطفالاً يلعبون كرة القدم على ملعب يبعد حوالي كيلو متر ونصف عن الحدود مع المناطق التي يحتلها العدو منذ عام 1948. وعندما هرع الناس الى نجدة الاطفال جرى القصف من جديد على نفس المكان الذي تجمع به المواطنون مما ضاعف عدد الاصابات ليصل الى 40 شخصاً بينهم 9 أطفال.
في اليوم نفسه، 10 تشرين الثاني قامت «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة حماس، و«سرايا القدس» الجناح العسكري للجهاد الاسلامي وغيرهما من الفصائل الفلسطينية بإطلاق صواريخها على المستعمرات والمواقع العسكرية المحاذية. لم يعلن العدو الاسرائيلي لكنه لم يستطع إخفاء الإصابة المباشره، والتي جرى رؤيتها بالعين المجردة، لسيارة جيب عسكرية وفيها أربعة جنود، بصاروخ «كورنيت» أطلقته «كتائب أبو على مصطفى» الجناح العسكري لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
الملفت للنظر أن قادة الكيان الصهيوني منذ اليوم الاول لعدوانهم وهم يهددون بتصعيد أعمالهم العسكرية باجتياح بري لقطاع غزه. وقد أُعلن عده مرات عن اجتماعات للخلية المصغرة للوزراء الاسرائيليين لاتخاذ القرار المناسب في التصعيد لكنه لم يصدر بعد.
في تقديري أن اسرائيل لم تكن جادة في الاجتياح البري حتى لا تتعرض الى مفاجأة جديدة فتدفع المزيد من الخسائر في المواجهة المباشرة مع المقاومة الفلسطينية. الحديث عن دخول القطاع يُستعمل للضغط على الفلسطينيين للقبول بالشروط الاسرائيلية لوقف إطلاق النار.
بعد استهدافها الاجرامي للأطفال استمر الطيران الاسرائيلي بالقصف الجوي لبعض المواقع في القطاع، وتقوم الاجنحة العسكرية للفصائل بالرد عليها بالصواريخ قصيرة المدى كما كانت تفعل في مرات سابقة. تدخلت مصر وتمكنت من الوصول سريعاً الى اتفاق لتثبيت الهدنة القائمة بين الطرفين منذ عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
فجأة، وجهت إسرائيل ضربتها الغادرة باغتيال أهم قائد عسكري في حماس/ مسؤول كتائب القسام، وهي تدرك أن ردود الفعل ستكون كبيرة، لهذا اشتركت قطع بحرية مع الطيران بالقصف الكثيف والمتواصل على مواقع عدة في قطاع غزة، يتضمن قسم كبير منها أهدافاً مدنية، مما سبب نسبة عالية من الضحايا هم من الاطفال والنساء، بما في ذلك عوائل بكاملها تدفن تحت أنقاض بيوتها.
السؤال الذي يتكرر، ما الهدف من هذا العدوان؟ غالبية الاجابة تركز على نقطتين؛
الاولى: تعطيل جهود السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس من الذهاب الى الامم المتحدة للحصول على عضو مراقب (دولة غير كاملة العضوية) في الجمعية العمومية.
الثاني: لتعزيز مكانة نتنياهو وحلفائه في انتخابات الكنيست القريبة التي تقرر مصيره كرئيس للحكومة، خاصة في ظل التخوف من تدخل أميركي ضده في الانتخابات.
أعتقد أن هناك أسباباً أخرى أكثر أهمية، لها علاقة بالمخاطر الامنية التي تهدد إسرائيل وتعطيها الاولوية في حساباتها، وهي:
1. محاولة اكتشاف مدى الجدية في تصريحات العديد من قيادات الفصائل الفلسطينية خاصة «حماس» و«الجهاد» بأنها امتلكت أسلحة متطوره، وفعالة.
إسرائيل لا تترك أموراً من هذا النوع للصدفة، ولا تجعل مثل هذه التصريحات تمر بدون تدقيق. قد تكون إسرائيل فوجئت بما تملكه المقاومة من أسلحة متطورة والمدى الذي تصل له في العمق، الى أخطر وأهم مكانين، تل أبيب والقدس.
مفاجأة غير سارة، لكن المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين يريدون معرفة هذه الحقيقة ليدخلوها، ليس في استراتيجيتهم الدفاعية فقط، وإنما في الحروب الاخطر والاشمل التي يخططون لها في المنطقة.
2. ركّبت اسرائيل أربع شبكات مما تسميه «القبة الحديدية / الدرع الواقي» لمنع تساقط صواريخ المقاومة الفلسطينية على مستعمراتها. هي تريد أن تختبر قدرة وفعالية هذا «الدرع» من أن يقي مستوطناتها ويحميها من الصواريخ الفلسطينية التي كانت محل تندر واستهانة بتأثيرها والمدى الذي تصل اليه.
لا شك أن قاده العدو الاسرائيلي فوجئوا مره أخرى بالرهان على «درعهم الواقي» باهظ التكاليف. لم يستطع أن يقف بوجه صواريخ المقاومة ويمنعها من الوصول الى أهدافها في عمق فلسطين المغتصبة.
3. التغير في الوضع العربي، بغض النظر عن تسميته «ربيع عربي» «ثوره عربية» «حراك شعبي»؛ لكنه يحمل جديداً؛ أنظمة بأيديولوجية جديدة، وجماهير مختلفة، وامتدادات إقليمية وحتى دولية واسعة. أنظمة لم تتأكد إسرائيل من حقيقة موقفها تجاهها رغم ما سمعته من تطمينات، مباشرة أو عن طريق حلفائها خاصة الولايات المتحدة الاميركية.
لذا، وكون إسرائيل لا تترك الامور للتقديرات والتحليلات النظرية، فهي تريد ان تختبر عملياً ما هي ردود الفعل العربية خاصة المصرية، هل ستبقى في حدود ما كان في عهد النظام السابق يوم اغتالت الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهما، ومارست أعمال قصف واعتداءات متكررة أخطرها حرب 2008- 2009 وكانت تنتهي جميعها بالتدخل المصري للوصول الى اتفاقات تهدئة بشروط أقرب الى ما تريده إسرائيل. مع ذلك كانت اسرائيل دائماً هي التي تخرق الاتفاقات كما حصل يوم الاثنين الماضي الثاني عشر من تشرين الثاني الحالي. لم يتغير المشهد العربي كثيراً عما هو مألوف؛ اجتمع وزراء الخارجية العرب، لكنهم لم يخرجوا بأكثر مما هو متوقع منهم: بيان، وفد وزاري يزور القطاع. ومصر، بشراكة قطرية، وتركية، وبضغط أميركي، حافظوا على دورهم كوسيط للوصول الى وقف إطلاق النار.
لم تفاجأ إسرائيل بالموقف العربي الرسمي، لكن بالتأكيد أن المواطن العربي هو الذي تفاجأ بهذا المستوى من التخاذل، بشهاده «شاهد من أهله».
سابقة ليست مألوفة أن ينعي رئيس حكومة وزير خارجية دولة عربية جامعة الدول العربية في أحد اجتماعاتها الهامة والمفصلية، وينعت الحضور بأنهم «نعاج» ولا يجد من يصده. هل»السكوت علامة رضى» عما قال؟ وهل يجوز في مثل هذه الحالة أن يلجأ الفلسطينيون، وهم تحت الاحتلال ويحتاجون الى سند قوي، أن يلجأوا الى نعاج؟
هذه الحرب قد أفرزت نتيجتين في غاية الاهمية على صعيد المقاومة في القطاع.
الاولى؛ أن أي اتفاق لإنهاء الحرب على القطاع، في ظل ميزان القوى الجديد الذي أثبتته المقاومة الفلسطينية، لن يكون بنفس الشروط السابقة التي كانت تمليها إسرائيل. لا بد أن تؤخذ وجهة النظر الفلسطينية ومحاذيرها بعين الاعتبار.
الثانية؛ المواكب لسير الحرب خلال الايام الماضية يلحظ بوضوح حجم التغيير الذي حصل في ميزان القوة لمصلحة المقاومة الفلسطينية من حيث نوعية وكمية الصواريخ البرية والمضادة للطائرات التي تملكها، والمدى البعيد الذي تصل له في العمق. لأول مرة يصل صاروخ الى القدس منذ 1970 ولأول مره تصل الى هرتسليا التي تعقد فيها المؤتمرات الدورية كمناقشة وتقييم إستراتيجية الكيان الصهيوني.
لم تعد المقاومة الفلسطينية تتلقى الضربات وتعجز عن الرد، أو ترد بما لا يزعج العدو. أصبحت ترد بنفس القوة والعزيمة التي تتحمل فيها الضربات. الاستخلاص الاساسي الذي أخرج به هو: إن اسرائيل بدأت تواجه معادلة جديده تجعلها تتردد الف مرة قبل أن تشن حرباً جديدة على قطاع غزة. أي كما أنها تخضع لقوة الردع التي تمثلها المقاومة على الحدود الشمالية، أصبحت من الان وصاعداً تخضع لقوة الردع التي تمثلها المقاومة على الحدود الجنوبية.
ثالثاً؛ سقط وهم انكشاف القطاع أمام الأجهزة الامنية الاسرائيلية. الشائع في أوساط واسعة أن المخابرات الصهيونية على معرفة دقيقة وتفصيلية بكل ما يجري في القطاع، تتوفر لها المعلومات الوافية من خلال طائرات الاستطلاع التي لا تغيب عن سماء قطاع غزة وعن طريق الاجهزة الالكترونية والهواتف النقالة، وفوق هذا عشرات الآلاف من المخبرين والجواسيس والعملاء. ليتبين أن هذا كله لم يُجد نفعاً أمام قدرة المقاومة وتفوقها على أجهزة العدو وأساليبه الامنية في ابتداع وسائلها الخاصة للتمويه والحصول على الاسلحة وإخفائها.
فلسطينياً:
توحد الموقف والعمل الفلسطيني المشترك، في قطاع غزة بتشكيل غرفة عمليات مشتركة. تتمتع الجماهير بقدرة هائلة على الصبر واحتمال ما يتعرضون له من دمار وقتل ومجازر، ويتحلون بمعنويات مرتفعة بسبب شعورهم بالتفوق على عدو عانوا ويعانون منه الكثير.
بصوت مرتفع «يصرخ» المتظاهرون في مخيمات اللجوء، وفي شوارع بلدان المهاجر أيها القيادات الفلسطينية إرتدعوا وعوا، استخلصوا الدرس الاهم مما يجري في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، وهو أنه لا تعايش مع هذا الكيان الصهيوني التوسعي الغاصب.
الاستمرار في استجداء السلام، والمناشدة في العودة الى المفاوضات تقابله إسرائيل في الحرب والحصار على القطاع، ومصادرة الاراضي وبناء المستوطنات والاعتداءات اليومية من عصابات المستوطنين والاعتقالات تحت سمع وبصر السلطة في الضفة إضافة الى تهويد القدس وتغيير معالمها التاريخية. كل هذا يستوجب:
أولاً؛ أن تلتقي القيادات الفلسطينية: الامناء العامون للفصائل، مراكز الابحاث والدراسات، إعلاميون، نقابيون، هيئة رئاسة المجلس الوطني التشريعي ورؤساء اللجان، ممثلون عن الجاليات في المهجر. أن يلتقي هؤلاء في مؤتمر يتناول :
1. مراجعة شاملة لما يسمى «مسيرة السلام» بموجب إتفاقات أوسلو وملحقاتها.
2. وضع إستراتيجية جديدة على ضوء ما تفرزه عملية المراجعة والتقييم في النقطة الاولى.
3. تحديد موقف من السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع.
4. على أرضية ما سبق توضع الاسس والجدولة المحددة لأعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني، المجلس المركزي، اللجنة التنفيذية) بانتخابات ديموقراطية نزيهة وعلى قاعدة التمثيل النسبي، وبما يضمن مشاركة جميع الفصائل والفعاليات والمخيمات والتجمعات الفلسطينية أينما وجدت.
ثانياً؛ هذه الخطوة تستوجب قرارات شجاعة وجريئة من القيادات الفلسطينية في رام الله وغزة ودمشق، خاصة حركتي «فتح» و«حماس»، مع الاخذ بعين الاعتبار أن الوقت يستنزف الجميع. ويكرس الانقسام، ويمكّن العدو الاسرائيلي من تنفيذ مشروعه القائم على اعتبار ان كل فلسطين بحدودها التاريخية هي ملك لليهود من حقهم أن يقيموا عليها دولتهم. الاهم أن لا يتوهمن أحد بأن له ملكية حصرية في هذا الجزء من فلسطين أو ذاك؛ فغزة ليست حكراً على «حماس» والضفة ليست حكراً على «فتح». العدو نفسه في غزة والضفة والشتات. هو نفسه الذي اغتال قادة مرموقين ولهم مكانة مميزة أمثال ياسر عرفات، أبو جهاد، أبو إياد، أبو الهول، وماجد أبو شرار، الى فتحي الشقاقي، والشيخ المجاهد أحمد ياسين، والرنتيسي، الى أبو علي مصطفى وغسان كنفاني ووديع حداد وغيرهم، قائمة تطول. فلا نجعل إغراء السلطة ووهم الرهان على حلول سياسية يبقينا في موقع الانقسام ويبعدنا عن مواجهة العدو بموقف موحد وإراده واحده وأداة متماسكة.
ثالثاً؛ ما دامت معركتنا واحدة وعدونا واحدا، فلا يجوز للسلطة في الضفة أن تحوّل أجهزتها الأمنية الى حرس حدود للعدو الاسرائيلي. لا أطالب السلطة في الضفة أن تعلن الاستنفار وتفتح المعركة على المستوطنات التي تقوم عصاباتها يومياً بالاعتداء على أبناء شعبنا في مزارعهم وقراهم. ما أدعو له أن لا تمنع الشباب المتفلّتون، المتحمسون للإشتراك مع أخوانهم في القطاع للتعبير عن أنفسهم ليس فقط بالمظاهرة والهتاف وإنما أيضاً بالعملية العسكرية والطلقة. سكان الضفة دورهم لا يقتصر على الاساليب التضامنية كالحلفاء والاصدقاء في بلدان الشتات والمهاجر، بل يتجاوز ذلك الى الاساليب التي يستوجبها شعب تحت الاحتلال. فالضفة هي الجناح الآخر للقطاع. لا أطالب السلطة بالتحريض على القتال لكنها لا يجب أن تقف بوجه من يريد أن يقاتل. أدينوا واستنكروا إن أردتم لكن غضوا النظر، لا تعتقلوا من يسعى للشهادة ويتوجه للدفاع عن غزة وكرامة شعبه ضد من يغتصب أرضه ويدنّس مقدساته.
في اليوم نفسه، 10 تشرين الثاني قامت «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة حماس، و«سرايا القدس» الجناح العسكري للجهاد الاسلامي وغيرهما من الفصائل الفلسطينية بإطلاق صواريخها على المستعمرات والمواقع العسكرية المحاذية. لم يعلن العدو الاسرائيلي لكنه لم يستطع إخفاء الإصابة المباشره، والتي جرى رؤيتها بالعين المجردة، لسيارة جيب عسكرية وفيها أربعة جنود، بصاروخ «كورنيت» أطلقته «كتائب أبو على مصطفى» الجناح العسكري لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
الملفت للنظر أن قادة الكيان الصهيوني منذ اليوم الاول لعدوانهم وهم يهددون بتصعيد أعمالهم العسكرية باجتياح بري لقطاع غزه. وقد أُعلن عده مرات عن اجتماعات للخلية المصغرة للوزراء الاسرائيليين لاتخاذ القرار المناسب في التصعيد لكنه لم يصدر بعد.
في تقديري أن اسرائيل لم تكن جادة في الاجتياح البري حتى لا تتعرض الى مفاجأة جديدة فتدفع المزيد من الخسائر في المواجهة المباشرة مع المقاومة الفلسطينية. الحديث عن دخول القطاع يُستعمل للضغط على الفلسطينيين للقبول بالشروط الاسرائيلية لوقف إطلاق النار.
بعد استهدافها الاجرامي للأطفال استمر الطيران الاسرائيلي بالقصف الجوي لبعض المواقع في القطاع، وتقوم الاجنحة العسكرية للفصائل بالرد عليها بالصواريخ قصيرة المدى كما كانت تفعل في مرات سابقة. تدخلت مصر وتمكنت من الوصول سريعاً الى اتفاق لتثبيت الهدنة القائمة بين الطرفين منذ عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
فجأة، وجهت إسرائيل ضربتها الغادرة باغتيال أهم قائد عسكري في حماس/ مسؤول كتائب القسام، وهي تدرك أن ردود الفعل ستكون كبيرة، لهذا اشتركت قطع بحرية مع الطيران بالقصف الكثيف والمتواصل على مواقع عدة في قطاع غزة، يتضمن قسم كبير منها أهدافاً مدنية، مما سبب نسبة عالية من الضحايا هم من الاطفال والنساء، بما في ذلك عوائل بكاملها تدفن تحت أنقاض بيوتها.
السؤال الذي يتكرر، ما الهدف من هذا العدوان؟ غالبية الاجابة تركز على نقطتين؛
الاولى: تعطيل جهود السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس من الذهاب الى الامم المتحدة للحصول على عضو مراقب (دولة غير كاملة العضوية) في الجمعية العمومية.
الثاني: لتعزيز مكانة نتنياهو وحلفائه في انتخابات الكنيست القريبة التي تقرر مصيره كرئيس للحكومة، خاصة في ظل التخوف من تدخل أميركي ضده في الانتخابات.
أعتقد أن هناك أسباباً أخرى أكثر أهمية، لها علاقة بالمخاطر الامنية التي تهدد إسرائيل وتعطيها الاولوية في حساباتها، وهي:
1. محاولة اكتشاف مدى الجدية في تصريحات العديد من قيادات الفصائل الفلسطينية خاصة «حماس» و«الجهاد» بأنها امتلكت أسلحة متطوره، وفعالة.
إسرائيل لا تترك أموراً من هذا النوع للصدفة، ولا تجعل مثل هذه التصريحات تمر بدون تدقيق. قد تكون إسرائيل فوجئت بما تملكه المقاومة من أسلحة متطورة والمدى الذي تصل له في العمق، الى أخطر وأهم مكانين، تل أبيب والقدس.
مفاجأة غير سارة، لكن المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين يريدون معرفة هذه الحقيقة ليدخلوها، ليس في استراتيجيتهم الدفاعية فقط، وإنما في الحروب الاخطر والاشمل التي يخططون لها في المنطقة.
2. ركّبت اسرائيل أربع شبكات مما تسميه «القبة الحديدية / الدرع الواقي» لمنع تساقط صواريخ المقاومة الفلسطينية على مستعمراتها. هي تريد أن تختبر قدرة وفعالية هذا «الدرع» من أن يقي مستوطناتها ويحميها من الصواريخ الفلسطينية التي كانت محل تندر واستهانة بتأثيرها والمدى الذي تصل اليه.
لا شك أن قاده العدو الاسرائيلي فوجئوا مره أخرى بالرهان على «درعهم الواقي» باهظ التكاليف. لم يستطع أن يقف بوجه صواريخ المقاومة ويمنعها من الوصول الى أهدافها في عمق فلسطين المغتصبة.
3. التغير في الوضع العربي، بغض النظر عن تسميته «ربيع عربي» «ثوره عربية» «حراك شعبي»؛ لكنه يحمل جديداً؛ أنظمة بأيديولوجية جديدة، وجماهير مختلفة، وامتدادات إقليمية وحتى دولية واسعة. أنظمة لم تتأكد إسرائيل من حقيقة موقفها تجاهها رغم ما سمعته من تطمينات، مباشرة أو عن طريق حلفائها خاصة الولايات المتحدة الاميركية.
لذا، وكون إسرائيل لا تترك الامور للتقديرات والتحليلات النظرية، فهي تريد ان تختبر عملياً ما هي ردود الفعل العربية خاصة المصرية، هل ستبقى في حدود ما كان في عهد النظام السابق يوم اغتالت الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهما، ومارست أعمال قصف واعتداءات متكررة أخطرها حرب 2008- 2009 وكانت تنتهي جميعها بالتدخل المصري للوصول الى اتفاقات تهدئة بشروط أقرب الى ما تريده إسرائيل. مع ذلك كانت اسرائيل دائماً هي التي تخرق الاتفاقات كما حصل يوم الاثنين الماضي الثاني عشر من تشرين الثاني الحالي. لم يتغير المشهد العربي كثيراً عما هو مألوف؛ اجتمع وزراء الخارجية العرب، لكنهم لم يخرجوا بأكثر مما هو متوقع منهم: بيان، وفد وزاري يزور القطاع. ومصر، بشراكة قطرية، وتركية، وبضغط أميركي، حافظوا على دورهم كوسيط للوصول الى وقف إطلاق النار.
لم تفاجأ إسرائيل بالموقف العربي الرسمي، لكن بالتأكيد أن المواطن العربي هو الذي تفاجأ بهذا المستوى من التخاذل، بشهاده «شاهد من أهله».
سابقة ليست مألوفة أن ينعي رئيس حكومة وزير خارجية دولة عربية جامعة الدول العربية في أحد اجتماعاتها الهامة والمفصلية، وينعت الحضور بأنهم «نعاج» ولا يجد من يصده. هل»السكوت علامة رضى» عما قال؟ وهل يجوز في مثل هذه الحالة أن يلجأ الفلسطينيون، وهم تحت الاحتلال ويحتاجون الى سند قوي، أن يلجأوا الى نعاج؟
هذه الحرب قد أفرزت نتيجتين في غاية الاهمية على صعيد المقاومة في القطاع.
الاولى؛ أن أي اتفاق لإنهاء الحرب على القطاع، في ظل ميزان القوى الجديد الذي أثبتته المقاومة الفلسطينية، لن يكون بنفس الشروط السابقة التي كانت تمليها إسرائيل. لا بد أن تؤخذ وجهة النظر الفلسطينية ومحاذيرها بعين الاعتبار.
الثانية؛ المواكب لسير الحرب خلال الايام الماضية يلحظ بوضوح حجم التغيير الذي حصل في ميزان القوة لمصلحة المقاومة الفلسطينية من حيث نوعية وكمية الصواريخ البرية والمضادة للطائرات التي تملكها، والمدى البعيد الذي تصل له في العمق. لأول مرة يصل صاروخ الى القدس منذ 1970 ولأول مره تصل الى هرتسليا التي تعقد فيها المؤتمرات الدورية كمناقشة وتقييم إستراتيجية الكيان الصهيوني.
لم تعد المقاومة الفلسطينية تتلقى الضربات وتعجز عن الرد، أو ترد بما لا يزعج العدو. أصبحت ترد بنفس القوة والعزيمة التي تتحمل فيها الضربات. الاستخلاص الاساسي الذي أخرج به هو: إن اسرائيل بدأت تواجه معادلة جديده تجعلها تتردد الف مرة قبل أن تشن حرباً جديدة على قطاع غزة. أي كما أنها تخضع لقوة الردع التي تمثلها المقاومة على الحدود الشمالية، أصبحت من الان وصاعداً تخضع لقوة الردع التي تمثلها المقاومة على الحدود الجنوبية.
ثالثاً؛ سقط وهم انكشاف القطاع أمام الأجهزة الامنية الاسرائيلية. الشائع في أوساط واسعة أن المخابرات الصهيونية على معرفة دقيقة وتفصيلية بكل ما يجري في القطاع، تتوفر لها المعلومات الوافية من خلال طائرات الاستطلاع التي لا تغيب عن سماء قطاع غزة وعن طريق الاجهزة الالكترونية والهواتف النقالة، وفوق هذا عشرات الآلاف من المخبرين والجواسيس والعملاء. ليتبين أن هذا كله لم يُجد نفعاً أمام قدرة المقاومة وتفوقها على أجهزة العدو وأساليبه الامنية في ابتداع وسائلها الخاصة للتمويه والحصول على الاسلحة وإخفائها.
فلسطينياً:
توحد الموقف والعمل الفلسطيني المشترك، في قطاع غزة بتشكيل غرفة عمليات مشتركة. تتمتع الجماهير بقدرة هائلة على الصبر واحتمال ما يتعرضون له من دمار وقتل ومجازر، ويتحلون بمعنويات مرتفعة بسبب شعورهم بالتفوق على عدو عانوا ويعانون منه الكثير.
بصوت مرتفع «يصرخ» المتظاهرون في مخيمات اللجوء، وفي شوارع بلدان المهاجر أيها القيادات الفلسطينية إرتدعوا وعوا، استخلصوا الدرس الاهم مما يجري في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، وهو أنه لا تعايش مع هذا الكيان الصهيوني التوسعي الغاصب.
الاستمرار في استجداء السلام، والمناشدة في العودة الى المفاوضات تقابله إسرائيل في الحرب والحصار على القطاع، ومصادرة الاراضي وبناء المستوطنات والاعتداءات اليومية من عصابات المستوطنين والاعتقالات تحت سمع وبصر السلطة في الضفة إضافة الى تهويد القدس وتغيير معالمها التاريخية. كل هذا يستوجب:
أولاً؛ أن تلتقي القيادات الفلسطينية: الامناء العامون للفصائل، مراكز الابحاث والدراسات، إعلاميون، نقابيون، هيئة رئاسة المجلس الوطني التشريعي ورؤساء اللجان، ممثلون عن الجاليات في المهجر. أن يلتقي هؤلاء في مؤتمر يتناول :
1. مراجعة شاملة لما يسمى «مسيرة السلام» بموجب إتفاقات أوسلو وملحقاتها.
2. وضع إستراتيجية جديدة على ضوء ما تفرزه عملية المراجعة والتقييم في النقطة الاولى.
3. تحديد موقف من السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع.
4. على أرضية ما سبق توضع الاسس والجدولة المحددة لأعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني، المجلس المركزي، اللجنة التنفيذية) بانتخابات ديموقراطية نزيهة وعلى قاعدة التمثيل النسبي، وبما يضمن مشاركة جميع الفصائل والفعاليات والمخيمات والتجمعات الفلسطينية أينما وجدت.
ثانياً؛ هذه الخطوة تستوجب قرارات شجاعة وجريئة من القيادات الفلسطينية في رام الله وغزة ودمشق، خاصة حركتي «فتح» و«حماس»، مع الاخذ بعين الاعتبار أن الوقت يستنزف الجميع. ويكرس الانقسام، ويمكّن العدو الاسرائيلي من تنفيذ مشروعه القائم على اعتبار ان كل فلسطين بحدودها التاريخية هي ملك لليهود من حقهم أن يقيموا عليها دولتهم. الاهم أن لا يتوهمن أحد بأن له ملكية حصرية في هذا الجزء من فلسطين أو ذاك؛ فغزة ليست حكراً على «حماس» والضفة ليست حكراً على «فتح». العدو نفسه في غزة والضفة والشتات. هو نفسه الذي اغتال قادة مرموقين ولهم مكانة مميزة أمثال ياسر عرفات، أبو جهاد، أبو إياد، أبو الهول، وماجد أبو شرار، الى فتحي الشقاقي، والشيخ المجاهد أحمد ياسين، والرنتيسي، الى أبو علي مصطفى وغسان كنفاني ووديع حداد وغيرهم، قائمة تطول. فلا نجعل إغراء السلطة ووهم الرهان على حلول سياسية يبقينا في موقع الانقسام ويبعدنا عن مواجهة العدو بموقف موحد وإراده واحده وأداة متماسكة.
ثالثاً؛ ما دامت معركتنا واحدة وعدونا واحدا، فلا يجوز للسلطة في الضفة أن تحوّل أجهزتها الأمنية الى حرس حدود للعدو الاسرائيلي. لا أطالب السلطة في الضفة أن تعلن الاستنفار وتفتح المعركة على المستوطنات التي تقوم عصاباتها يومياً بالاعتداء على أبناء شعبنا في مزارعهم وقراهم. ما أدعو له أن لا تمنع الشباب المتفلّتون، المتحمسون للإشتراك مع أخوانهم في القطاع للتعبير عن أنفسهم ليس فقط بالمظاهرة والهتاف وإنما أيضاً بالعملية العسكرية والطلقة. سكان الضفة دورهم لا يقتصر على الاساليب التضامنية كالحلفاء والاصدقاء في بلدان الشتات والمهاجر، بل يتجاوز ذلك الى الاساليب التي يستوجبها شعب تحت الاحتلال. فالضفة هي الجناح الآخر للقطاع. لا أطالب السلطة بالتحريض على القتال لكنها لا يجب أن تقف بوجه من يريد أن يقاتل. أدينوا واستنكروا إن أردتم لكن غضوا النظر، لا تعتقلوا من يسعى للشهادة ويتوجه للدفاع عن غزة وكرامة شعبه ضد من يغتصب أرضه ويدنّس مقدساته.
عضو مجلس وطني فلسطيني
الحرب على غزة: سقوط الأوهام الإسرائيلية http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif
No comments:
Post a Comment