إسرائيل: اغتيال قصير النظر
غرشون باسكن *
الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٢
قتلت صواريخ إسرائيلية الأربعاء الماضي أحمد الجعبري، الرجل القوي في «حماس»، قائد جناحها العسكري والمسؤول عن خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. لماذا؟ أعلنت الحكومة الإسرائيلية أن الهدف من الضربات الجارية ضد غزة هو إعادة بناء الردع لمنع إطلاق أية صواريخ على إسرائيل. حمل القتل الهادف الذي تمارسه إسرائيل ضد قادة «حماس»، قيادة الحركة على الاختفاء وحالت موقتاً دون شن الهجمات الصاروخية على إسرائيل.
وفقاً للزعماء الإسرائيليين، يمكن استعادة الردع من خلال استهداف المسؤولين العسكريين والسياسيين في غزة وقتلهم، وتوجيه ضربات قاسية إلى البنية التحتية العسكرية لـ «حماس». بيد أن السياسة هذه لم تكن مؤثرة على المدى البعيد، حتى عندما قتلت إسرائيل مؤسس «حماس» ومرشدها الروحي الشيخ أحمد ياسين. لم تلق الحركة السلاح حينذاك ولن تتوقف عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل الآن من دون اتفاق وقف للنار.
عندما كنا نتفاوض مع «حماس» لإطلاق شاليط، اعتقد أعضاء من الفريق الإسرائيلي أن الجعبري لن يقبل بإنجاز الصفقة لأنه يرى في الإمساك بشاليط «بوليصة تأمين على الحياة». وطوال فترة احتجاز الجعبري شاليط، كان الإسرائيليون يعتقدون أن زعيم «حماس» يظن أنه آمن. وباتت الحكومة الإسرائيلية حرة في قتل الجعبري بعد الإفراج عن شاليط في تشرين الأول (أكتوبر) 2011. كانت «بوليصة تأمينه» مرتبطة بتقدير المسؤولين الإسرائيليين لقيمة إبقائه على قيد الحياة. انتهت مدة صلاحية البوليصة هذا الأسبوع.
وأعتقد أن إسرائيل ارتكبت خطأ استراتيجياً خطيراً باتخاذها قرار قتل الجعبري. لم يكن رجل سلام؛ لم يكن يؤمن بالسلام مع إسرائيل ورفض أن تكون له أية صلات مباشرة مع قادتها وحتى مع غير الرسميين منهم، مثلي. وتعاملي غير المباشر معه كان يجري عبر نظيري في «حماس» غازي حمد الذي حصل على إذن الجعبري للتعامل المباشر معي. ومنذ تولى الجعبري مسؤولية الجناح العسكري لـ «حماس»، كان الإسرائيلي الوحيد الذي تحدث الجعبري إليه مباشرة هو شاليط، الذي رافقه الأول إلى خارج غزة بنفسه. (من المهم التذكير بأن الجعبري لم يخطف شاليط فحسب، بل أبقاه حياً أيضاً وضمِن الاهتمام به طوال فترة أسره).
وبتمرير الرسائل بين الجانبين، كنت قادراً على معرفة أن الجعبري ليس مهتماً فقط بوقف النار طويل الأمد، بل إنه كان المسؤول عن الالتزام بتفاهمات وقف النار السابق الذي رعاه جهاز الاستخبارات المصري. والتزام الجعبري بوقفَيْ النار هذين فقط بعد التأكد من أن اسرائيل مستعدة لوقف هجماتها على غزة. وفي صباح اليوم الذي قتل الجعبري فيه، تلقى مسودة اقتراح لتوسيع وقف النار، يشمل آليات التحقق من النوايا التي تضمن الالتزام. تم الاتفاق على المسودة هذه بيني وبين نائب وزير خارجية «حماس» غازي حمد عندما التقينا الأسبوع الماضي في مصر.
قادة آخرون في «حماس» وفي مجلس شورى الحركة أيدوا جهود وقف النار لأنهم فهموا، مثل الجعبري، أن لا جدوى للهجمات الصاروخية المتوالية على إسرائيل والتي لم تخلف أضراراً حقيقية فيها مقابل عشرات الإصابات في غزة. ولم يكن الجعبري مستعداً للتخلي عن استراتيجية «المقاومة»، أي قتال إسرائيل، لكنه رأى ضرورة صوغ استراتيجية جديدة وكان مستعداً للموافقة على وقف للنار طويل المدى.
وجرى تقديم هذه الحرب في إسرائيل، مرة جديدة، على أنها «حرب مفروضة». ويتجمع الإسرائيليون حول العلم كما يصح توقع الأمر ذاته في أي مكان في العالم. وعبرت حكومة الولايات المتحدة عن دعمها العملية الإسرائيلية قائلة إن «لإسرائيل كامل الحق في الدفاع عن نفسها وحماية مواطنيها». لا شك في أنها تقوم بذلك، لكن علينا التساؤل عن وجود طريقة أخرى لتحقيق الهدف ذاته من دون استخدام القوة. لجأت إسرائيل إلى القتل المستهدف والاجتياحات البرية، والطائرات من دون طيار، وطائرات «إف – 16» والحصار الاقتصادي والمقاطعة السياسية. الأمر الوحيد الذي لم تجربه هو التوصل إلى اتفاق متبادل طويل الأمد لوقف النار (من خلال طرف ثالث).
ما من حكومة تستطيع التسامح مع تعرض مدنييها لهجمات صاروخية من أراضٍ مجاورة. وينبغي أن ينتهي إطلاق الآلاف من الصواريخ من غزة نحو إسرائيل. كانت هناك فرصة لاتفاق على وقف النار. والفارق بين الاقتراح الذي صغته بالتعاون مع نظيري في «حماس» والاقتراحات السابقة يكمن في انطوائه على آلية للتعامل مع ما يلوح من تهديدات إرهابية وعلى تعريف دقيق للخروق. كانت تتعين ترجمة المسودة هذه وإطلاع الجعبري والمسؤولين الأمنيين الإسرائيليين عليها والذين كانوا يعرفون جهود الوساطة التي نبذل.
وتقترح المسودة التي علمت أن الجعبري اطلع عليها قبل ساعات من مقتله، نقل معلومات الاستخبارات الإسرائيلية عبر المصريين إلى الجعبري ليتمكن من اتخاذ الإجراءات الرامية إلى منع أي هجوم على إسرائيل. وستكون لديه وقواته الفرصة لإثبات ما أبلغه إلى مسؤولي الاستخبارات المصرية عن عدم وجود مصلحة له في التصعيد. ولو وافق الجعبري على هذه المسودة لأمكن تجنب الجولة هذه من العنف؛ ولو رفضها لكانت إسرائيل شنت هجومها على نحو شبيه بما تفعل الآن.
* الرئيس المشارك لمعهد «اسرائيل– فلسطين للأبحاث والمعلومات»، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 16/11/2012، إعداد حسام عيتاني
إسرائيل: اغتيال قصير النظر
No comments:
Post a Comment