Tuesday, November 27, 2012

عن عالم مضيء

نزح إدوارد توماس وزوجته من بلدته الصغيرة في شمال ولاية نيويورك مع قافلة من العربات التي تجرها الخيول. واستقر الزوجان في قرية صغيرة لم يتجاوز عدد سكانها حينئذٍ بضعة مئات في ولاية تكساس في أواخر القرن التاسع عشر.

ثم ماتت زوجة إدوارد بعد أن أصيبت بمرض السل. فتزوج إدوارد امرأة أخرى. وبعد أن يئس من الإنجاب، وشارف على الخمسين، ولد له من زوجته الثانية في عام 1920 صبي سمّياه أيضاً إدوارد.

نشأ إدوارد الابن في هذه القرية. وتخرج من ثانويتها عام 1937. وكان مجموع عدد خريجي ثانوية القرية 15 طالباً وطالبة. ولم يكن إدوارد متفوقاً حتى بين العدد الضئيل من الخريجين.

وصار اختياره الوحيد الممكن بسبب قرب المكان ودرجاته وتدني تكاليف الدراسة في «جامعة تكساس» التي لم تصل حينذاك إلى المستوى الجيد جداً الذي وصلت إليه منذ أوائل الستينات. وفي السنتين الأولى من الدراسة في الجامعة لم يظهر على هذا القروي أي مظهر للتفوق. ولكن بعد أن وصل إلى بداية السنة الثالثة وبدأ بدراسة الكورسات الأصعب في مواد الكيمياء والهندسة الكيماوية، في السنتين الأخيرتين، تخرج بتفوق عام 1941 وتابع حتى نال شهادة الماجستير في الكيمياء والهندسة الكيماوية معاً.

ثم حصل على منحة دراسية من كلية الطب في جامعة هارفرد، وتخرج فيها، عام 1946. وعمل طبيباً باحثاً في مستشفى بلدة في شمال ولاية نيويورك تابع لكلية الطب في جامعة كولومبيا.

وأضحى جل اهتمامه في البحث عن وسيلة لإنقاذ مرضى سرطانات الدم المختلفة الشناعة والسوء. وما كان يجهل أن منشأ جميع سرطانات الدم في مصنعه، وهو النخاع. ولذلك ينبغي قتل جميع خلايا النخاع قبل التفكير في أي إجراء آخر.

وبعد اقتناعه بأن هناك أملاً – وإن كان طفيفاً، على الأقل في إنقاذ الأطفال، وربما صغار السن (أقل من العشرين) – نشر مقالاً علمياً في أهم دورية طبية في العالم The New England Journal of Medicine في أيلول (سبتمبر) عام 1957.

غير أن غالبية الأطباء المتخصصين في فهم أسباب وعلاج أنواع السرطان كافة شككوا كثيراً في إمكان الشفاء من سرطانات الدم من طريق الإجراءات التي وصفها الدكتور توماس في مقالته، التي بسببها فاز بجائزة نوبل في الطب، مناصفة مع الطبيب الآخر الذي كان الأب الحقيقي لنقل الكلى الدكتور جوزيف ميري عام 1990، (أي بعد 33 عاماً من نشرها).

وحينما سألته عند لقائي به في سياتل قبيل خضوعي لإجراءات نقل النخاع، في عام 1997: ما أسباب معارضة أطباء معروفين من أساتذة الطب في جامعات مرموقة لما جاء به في مقالة عام 1957؟ قال ما يمكن تلخيصه بأن معارضيه لم يجهلوا أن العلم ليس بديهيات فقط، ومع ذلك لم يتصوروا أن العلاج بإجراءات قاتلة، كالأشعة النووية والكيماوية، يمكن أن تكون وسيلة يُعتمد عليها في علاج آلافٍ من الناس. وكان جواب الدكتور توماس أنه حينما أجرى التجارب على الحيوانات، عاشت بعد العلاج حياتها المتوقعة. ثم ذكر الدكتور توماس، أنه عندما انتقل من شمال ولاية نيويورك إلى مدينة سياتل، في أقصى شمال غربي الولايات الأميركية، عام 1963، ليترأس قسم الأمراض الخبيثة في كلية الطب في جامعة واشنطن، وجد صعوبة في إقناع شباب الأطباء والفنيين في الانضمام إليه هو وزوجته، لإجراء الأبحاث عن إجراءات نقل النخاع، ولا سيما مشكلة رفض الأجسام للخلايا التي تنتقل إليها من خارجها. لا بد من «استنبات» خلايا «سليمة» في جسم شخص خلايا نخاعه «مريضة»، لإنقاذ حياة كل مريض تنقل إليه خلايا «جذعية» أو خلايا النخاع أو حتى عضو من الأعضاء، كالكلى والكبد. وهذه من أهم صعوبات نقل النخاع والأعضاء.

وبعد 11 عاماً من المعاناة، أقنعه جراح مدينة سياتل الشهير وليام هتشنسن ليكون رئيساً لمركز لبحث أمراض السرطان باسم شقيقه «فرد» الذي كان من أشهر لاعبي «البيسبول» المحببة للأميركيين وتوفي بسرطان الرئة، باسم «مركز فرد هتشنسن لبحث أمراض السرطان» حتى أضحى ذلك المركز ومنذ تأسيسه عام 1974، أهم وأفضل مكان في العالم لعلاج أنواع سرطانات الدم كافة.

والأرجح لن ينسى أحد ممن أسعدهم الحظ وقابلوا ذلك الرجل العظيم، ابتسامته الدائمة، وتفاؤله، وما يبعثه في النفس من الاطمئنان. لم أتوقع أن أقابله عندما قرأتُ عنه بعد إصابتي. وعندما أتى لمقابلتي بعد أن اجتمعت بالمشرف الطبي الدكتور والصديق في ما بعد جيمس ويد، رأيت شيخاً ملتحياً مبتسماً سرعان ما أزال نسبة كبيرة من القلق ليحل محلها الكثير من التفاؤل. كان الدكتور توماس في عام 1997 قد بلغ الـ77 وشبه متقاعد، ومع ذلك يذهب يومياً إلى المختبر ويجري الأبحاث ويشجع بقية الباحثين ويقدم لهم المشورة.

ومن المتوقع خلال عام 2012 أن يخضع 60 ألف شخص في مناطق المعمورة كافة لإجراءات نقل النخاع بعد أن شق لهم الطريق، ثم عبّدها بمساعدة المميزين من طلابه، كالدكتور جيمس ويد، ذلك الرجل الفاضل والأب المهني لجميع المتخصصين في إجراءات نقل النخاع، والعالم الطبي المميز، الدكتور إدوارد دوني توماس الذي توفي في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2012.

* أكاديمي سعودي


عن عالم مضيء http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif

No comments:

Post a Comment