الجديد في المواجهات السياسية والميدانية الحالية في مصر، هو أنها تجري في ظل غياب الدور المباشر للمؤسسة العسكرية، حتى الآن على الأقل. وإن كان الرئيس محمد مرسي أعطى لنفسه الحق في إعلان الطوارئ أو الإقدام على أي إجراء آخر، في حال رأى تهديداً للثورة والوطن.
والأرجح أن مثل هذا الإجراء الذي يزج المؤسسة العسكرية مباشرة في الصراع السياسي سيكون الملجأ الأخير في المواجهة بين جماعة «الإخوان المسلمين»، ومعها السلفيون، وبين القوى المدنية. وعندما لا تعود الشرعية الانتخابية التي حاز عليها الإسلاميون قادرة على ضبط حركة المعارضة المدنية.
الجديد الآخر هو أن القوى المدنية تكتلت للمرة الأولى في مواجهة مشروع مرسي، بشقيه أسلمة النظام والمجتمع من جهة وانتزاع صلاحيات واسعة غير قابلة للطعن من جهة خرى. ما جعل المعارضين يتحدثون عن تحول إلى ديكتاتورية وطغيان، مع الإعلان الدستوري الجديد.
هكذا تكون عناصر المواجهة الحالية مختلفة عن تلك التي حكمت الوضع منذ سقوط نظام الرئيس حسني مبارك. إذ تراجعت المؤسسة العسكرية إلى خلفية اللوحة، وبات الإسلام السياسي في مواجهة القوى المدنية المتحالفة.
عندما اتجه مرسي إلى إعلانه الدستوري الجديد كان يفترض أن الخطوة ستمر بسلاسة، بعدما استعاد الحكم المصري بعضا من هيبته السياسية بفعل الحملة الإسرائيلية على غزة ودوره في التوصل إلى التهدئة الجديدة والإطراء الذي ناله من أميركا والمغرب والارتياح الإسرائيلي إلى هذا الدور، أي أن مرسي استند إلى النفوذ الإقليمي المستجد لمصر من اجل الاندفاع في ترتيب الوضع الداخلي وفق روزنامة «الإخوان». لكنه لم يهتم إلى الحساسية الغربية عموما إزاء المس بالعملية الديموقراطية وتجميع السلطات في يد واحدة وعدم احترام الفصل بينها. فالذين رحبوا بالعملية الانتخابية التي أوصلت مرسي إلى الحكم، فعلوا ذلك استناداً إلى العملية نفسها وليس استنادا إلى شخصية الرئيس المنتخب. وتالياً ليس الدعم لهذه العملية دعماً شخصيا للرئيس إلا في مقدار ما يحافظ على الأسس الديموقراطية. وما مسألة القرض من البنك الدولي لمصر إلا التعبير عن دعم المسار الديموقراطي، بغض النظر عن تفاصيله وشروطه والجدل الذي أثاره داخل مصر. إذ إن المساعدات، خصوصا الأميركية، والقروض الخارجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتوجهات الداخلية للحكم وقدرته على إرساء استقرار عبر التمسك بعمل المؤسسات. وهذا ما أطاحه الإعلان الدستوري. ما يهدد بتجدد الضغوط على الحكم المصري من اجل العودة عنه، وهذا ما عبرت عنه الردود من أميركا وأوروبا.
شهد ميدان التحرير في القاهرة منظراً لم تشهده البلاد منذ اندلاع الثورة، إذ تقدمت شخصيات المجتمع المدني، بمن فيها مرشحون للرئاسة حازوا مجتمعين على أصوات تفوق بكثير تلك التي نالها مرسي، التظاهرات المطالبة بالتراجع عن الإعلان الدستوري وللتنديد بالتحول نحو مصادرة استقلال المؤسسات، خصوصا القضاء. كما تشهد مقرات الأحزاب المدنية اجتماعات وندوات تدفع كلها في اتجاه معارضة الخطوة الرئاسية.
وهذه المرة الأولى تتكتل فيها كل الشخصيات والقوى المدنية المصرية في مواجهة حكم «الإخوان». ما يؤشر إلى ميزان قوى جديد لمصلحة القوى المدنية بعد فترة التشتت التي أعقبت انهيار النظام السابق وساهمت في انتخاب مرسي رئيساً. وإذا ما حافظت القوى المدنية على وحدتها فستحوز على سلاح فعال في مواجهة حكم «الإخوان».
وإذا أضفنا إلى ذلك تحرك القضاة دفاعاً عن استقلال عملهم وحركة الاستقالات في مؤسسة الرئاسة، تصبح لدى المعارضة المدنية أدوات فعالة من اجل كسب هذه الجولة ضد حكم «الإخوان».
هل تكسب القوى المدنية هذه الجولة؟ http://pixel.quantserve.com/pixel/p-89EKCgBk8MZdE.gif
No comments:
Post a Comment